صديق الحسيني القنوجي البخاري

210

فتح البيان في مقاصد القرآن

بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض ، هذا معنى قول ابن عباس . قال سعيد بن جبير وقتادة : معناه أي حيث لم يحج معكم مشرك وخلا الموسم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وللمسلمين ، وقيل إكماله أنه لا يزول ولا ينسخ ويبقى إلى آخر الدهر ، وقيل المعنى أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ولم يكن هذا لغير هذه الأمة ، وقال ابن الأنباري : اليوم أكملت شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت . وهذه أقوال ضعيفة ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع إما بالنص على كل فرد فرد أو بإندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة . ومما يؤدي ذلك قوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] وقد صح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها » « 1 » ، وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد برهانه . ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين قول اللّه تعالى هذا فإنه إذا كان اللّه قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل اللّه دينه لأنه إن كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم ، وهذا فيه ردّ للقرآن ، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح . وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدا ، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصكّ به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم وتدحض به حجتهم فقد أخبرنا اللّه في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن اللّه عز وجل ، فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له إن اللّه أصدق منك ، ومن أصدق من اللّه قيلا ، اذهب لا حاجة لنا في رأيك . وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا ، وقد أخبرنا في محكم كتابه أن القرآن أحاط بكل شيء فقال ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً [ النحل : 89 ] ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [ المائدة : 49 ] وقال لتحكم بين الناس بما أراك وقال إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [ الأنعام : 57 ] وقال وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] وفي آية هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 229 ] وفي أخرى هُمُ الْفاسِقُونَ [ آل عمران : 82 ] .

--> ( 1 ) أخرجه مالك في الحدود حديث 10 .